تَطَوَّر علم التشريح ليصبح علماً منذ أن بدأ فحص الأجسام المضحى بها إلى التحليل المتطور الذي يقوم به العلماء الحاليين. فقد تشكلت معالم هذا العلم، مع مرور الوقت، بتطور فهم وظائف الأعضاء وتركيب الجسم. لعلم تشريح الإنسان تاريخ عريق، واعتبر أبرز العلوم البيولوجية في القرنين التاسع عشر والعشرين. تطورت طرق التشريح بشكل كبير، فقد تطورت من فحص جثث الحيوانات إلى تقنيات متطورة في القرن العشرين.[1]
يعد التشريح واحدًا من أهم أركان الدراسة للأطباء في كليات الطب، وعلى رغم من كونه أحد العلوم التي بدأ تدرسها منذ عصر النهضة، إلا أن كمية المعلومات ازدادت وتغيرت بحسب احتياجات التخصص الدراسي. ما يدرس اليوم تغيّر بشكل كبير جدًا عن الماضي، لكن الأدوات التي تستخدم للدراسة لم تتغير بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، أغلب التشريحات العامة في القرون الوسطى وعصر النهضة كانت بالملاحظة، أو مشاهدة أحدهم يقوم بالتشريح، فمثلاً طلبة الدراسات العليا في جامعة برمنغهام يدرسون بهذه الطريقة،[2] وهو ما يجعل من التشريح أحد أركان التدريب الطبي الحديث
التشريح في العصور القديمة
مصر القديمة
بدأت دراسة علم التشريح في مصر القديمة في بداية 1600 ق.م، هو تاريخ بردة إدوين سميث الجراحية. أظهرت تلك البردية أن القلب وأوعيته والكبد والطحال والكليتين والرحم والمثانة، كانوا معروفين، وأن الأوعية الدموية تنبع أو تتأصل من القلب. تحدثت البردية أيضًا عن أوعية أخرى بعضها ينقل الهواء، وأخرى تنقل المخاط، ووعائين يتجهان إلى الأذن اليمنى، هذان الوعائان، اعتقدوا بأنهما يحملان "أنفاس الحياة"، ووعائين يتجهان إلى الأذن اليسرى يحملان "أنفاس الموت". كما كتبت بردة إيبرس (1550 ق.م) عن القلب، فذكرت أن القلب هو مركز إنتاج الدم، ويتصل به أوعية تصله بكل عضو في الجسم. إتضح أيضًا أن المصريين القدماء لم يعرفوا سوى القليل عن وظائف الكلى، كما اعتقدوا أن القلب نقطة التقاء عدد من الأوعية التي تنقل كل سوائل البدن كالدم والدموع والبول والحيوانات المنوية.[3]
الإغريق
يعد أبقراط من أقدم علماء الطب الذي بقيّ ذكرهم إلى الآن، وهو طبيب إغريقي نشط في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد وبدايات القرن الرابع قبل الميلاد. قدم أبقراط شرحًا أساسيًا للتركيب العضلي العظمي، ومبادئ فهم وظائف بعض الأعضاء كالكلى. اعتمد أغلب عمل أبقراط وطلابه ومن تبعهم، على التوقعات النظرية بدلاً من أن يكون لهم تجارب عملية. أحد أعظم انجازات أبقراط اكتشافه للصمام الثلاثي للقلب ووظيفته، ووثق ذلك في مقالة عن القلب. بعد ذلك اكتشف علماء التشريح صحة نظريته حول وظيفة الصمام الثلاثي للقلب.
في القرن الرابع قبل الميلاد، استخدم أرسطو ومعاصريه، نظامًا تجاربيًا بشكل أكبر ممن سبقهم، معتمدين على تشريح الحيوان. في تلك الفترة، اشتهر عن براكساغوراس (en) بأنه أول من عرف الفرق بين الشرايين والأوردة، وعلاقة الأعضاء ببعضها البعض ووصفها بشكل أدق ممن سبقه.
في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، كان أول استخدام للجثث البشرية في أبحاث تشريحية، عندما هيروفيلوس واراسيستراتوس حصلوا على إذن البطالمة بتشريح مجرمي الإسكندرية وهم أحياء. كما صنع هيروفيلوس على وجه التحديد جسدًا مبنيًا على المعرفة التشريحية التي كانت أفضل بكثير ممن سبقه.
جالينوس
أما آخر عظماء التشريح في العصور القديمة، فهو جالينوس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي. اعتمد جالينيوس في كثير من معلوماته على العصور السابقة، وأكمل أبحاثًا عن وظائف الأعضاء عن طريق تشريح الحيوانات وهي حية. وبسبب عدم توفر عينات بشرية، فقد طُبّقت اكتشافاته على أجسام الحيوانات على الإنسان. كانت أغلب مجموعة رسوماته على تشريح الكلاب، وهي التي استخدمت كمرجع للتشريح لـ 1500 سنة. نص الكتاب الأصلي فُقد منذ زمن طويل، وكانت أعماله معروفة فقط في عصر النهضة الذين نقلوها عن الأطباء العرب.
بداية علم التشريح الحديث
أعمال غالينوس وابن سينا وخاصة كتاب القانون الطبي، الذي احتوى على خبرات الاثنين، تمت ترجمته إلى اللاتينية، وكتاب القانون بقي أكثر الكتب وثوقاً في التعليم الطبي الأوروبي حتى القرن السادس عشر. أول تطوير له أهمية في أوروبا المسحية، منذ سقوط روما، حدث في بولونيا في بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، حيث سلسلة من المؤلفين شرحوا الجثث وساهموا في الوصول إلى أكثر وصف دقيق للأعضاء والتعريف بوظائفهم. وفي مقدمة كل هؤلاء المشرحين كان موندينو دي ليوزي وأليساندرو أليتشيني.
فأول تحدي لمذهب غالينوس حدث في القرن السادس عشر. والشكر لصحافة الآلة الطابعة، بذلت مجهودات كبيرة لنشر أعمال غالينوسوابن سينا في كل أنحاء أوروبا، وبعد ذلك أصدرت انتقادات لما قدموه. فأندريس فيزاليوس كان أول من أصدر بحث يخص التشريح البشري، الذي تحدى غالينوس مُسافراً من لوفين[12] إلى بادوفا ليأخذ أذنا بتشريح ضحايا المشانق من دون مخافة الاضطهاد. رسوماته كانت انتصاراً من ناحية التفريق بين الإنسان والكلاب -التي أعتمد عليها غالينوس في تشريحاته- وأظهر مهارة كبيرة في الرسم. والعديد بعد ذلك تحدوا غالينوس بالنصوص، مع ذلك تمت أفكار غالينوس مسيطرة لقرنٍ آخر.
ونجاحٌ آخر للباحثين فقد تقدموا كثيراً في صقل جسم الإنسان، ووضعوا أسمائهم على عدد من التراكيب الجسمانية التي اكتشفوها. القرنين السادس عشر والسابع عشر حُقِقَ فيه تقدماً كبيراً في فهم الدورة الدموية، وفهم ما هدف وجود الصمامات في الأوردة، ودورة الدم من البطين الأيسر إلى البطين الأيمن تم وصفها أيضاً، وقالوا أن الأوردة الكبدية هي جزء منفصل من الدورة الدموية. وكذلك تُعرف على أن الجهاز اللمفاوي هو جهاز منفصل.
القرنان السابع عشر والثامن عشر
ازدهرت دراسة علم التشريح في القرنين السابع عشر والثامن عشر. فالصحافة المطبوعة سهلت تبادل الأفكار. لأن دراسة علم التشريح تعتمد على الملاحظات والرسومات، فشهرة المتخصص كانت مسواية لمهارة موهبته في الرسم، ولم
يكن المتخصص محتاج لأن يكون خبيراً في اللغة اللاتينية.[3] الكثير من الرسامين درسوا علم التشريح، وحضروا عمليات تشريحية، ونشروا رسومات مقابل المال، ومنهم ميتشيلانجيلو ورمبراندت. ولأول مرة، كان بمقدور الجامعات البارزة تدريس هذا العلم بالرسومات، فضلاً عن اعتمادهم على معرفتهم باللغة اللاتينية. وخلافاً للاعتقاد السائد، فالكنيسة لم تعترض ولم تعرقل مثل هذه البحوث التشريحية على الرغم من عدائها للممارسات العلمية الأخرى.[13] ازدياد الحاجة لجثث أدّى إلى شائعات عن القتل التشريحي.
فقط المتخصصين في التشريح الحاملين للشهادات هم المسموح لهم بأداء التشريح وهذا لبعض المرات، وبعد ذلك في السنة مرة. هذه التشريحات تتم برعاية المجلس البلدي وعادةً تؤخذ رسوم على ذلك، وكأن ذلك سيرك لكن لطالبي العلم. العديد من المدن الأوربية مثل أمستردام ولندن وكوبنهاغن وبادوفا وباريس، كان لديهم أشخاص من العائلة الملكية متخصصين في التشريح أو أشخاص لهم علاقات بالمكاتب الحكومية. في الوقت الذي كان فيه نيكولاس تلب رئيس بلدية أمستردام ثلاث مرات. بالرغم من أن التشريح مهنة خطيرة وغير محسومة تعتمد على توفر جثث طرية، فإن حضور عمليات التشريح كان شرعياً بحسب القانون. الكثير من طلاب الطب سافروا في كل أنحاء أوروبا من تشريحاً إلى آخر لأجل دارستهم - توجب عليهم الذهاب إلى حيث يوجد جثة طرية (مثلاً، بعد أن ينفذ حكم الشنق) لأنه قبل أن توجد الثلاجات، كانت الأجسام تذهب طراوتها بسرعة وتصبح غير صالحة للفحص.
العديد من الأوربيين المهتمين بدراسة علم التشريح ذهبوا إلى إيطاليا، التي أصبحت مركز على التشريح. فقط في إيطاليا الطرق الهامة والمؤكدة والاستثنائية يمكن تطبيقها. كإجراء التشريحات على النساء. م. ر. كولومبس وغابرييلو فالوبي كانوا طلاب فزاليوس، أفضل مشرحي القرن السادس عشر. م. ر. كولومبس، وهو خليفة فزاليوس في بادوفا، الذي بعد ذلك أصبح بروفيسور في روما، ميّزَ نفسه بعدة أعمال قام بهاوهي كالتالي:
- تصحيح وتطوير المعلومات التشريحية عن العظام.
- إعطاء حسابات دقيقة لشكل وتجويفات القلب والشريان الرئوي والأبهر والصمامات.
- تعقبه لتدفق الدم من الجهة اليمنى إلى الجهة اليسرى من القلب.
- وصفه الدقيق للدماغ وأوعيته.
- الفهم الصحيح للأذن الداخلية.
- وأول حسابات جيّدة عن بطيني الحنجرة.
في نفس ذلك الوقت ظهر المجتهد والمتشعب في علم العظام، جيوفاني فيليبو انغراسياس
علم التشريح الحديث
البحوث التشريحية في آخر مئة سنة استفادت من التطور التقني ونمو العلوم الأخرى لوضع فهم كامل لأعضاء وتركيب الجسم الإنساني. التخصصات كعلم الغدد ساعد في شرح وظائف الغددالتي لم يشرحها المشرحين القدماء; الأجهزة الطبية سمحت للباحثين دراسة أعضاء الأبدان الحية أو الميتة. التقدم في علم التشريح اليوم يرتكز في التنمية والتطور ووظائف الخصائص التشريحية، كما أنه تم تصنيف الجوانب التي ترى بالعين المجردة في التشريح الإنساني فقد صنفت بشكل كبير. القسم الفرعي من التشريح الغير إنساني هو نشط خصوصاً أن المشرحين الجدد يسعون إلى فهم المبادئ الأساسية للتشريح باستخدام التقنيات المتقدمة التي تتراوح ما بين تحليل العناصر المعينة إلى علم الأحياء الجزيئي.
مع تزايد الطب على نظام العناية الصحية وما الممكن أن يرجى من الأطباء تحت التدريب (عدد الأطباء لكل فرد مقارنة بالدول الصناعية الأخرى) خلال النصف الأخير من القرن العشرين، المدارس الطبية توجه ضغطاً كبيراً لتدريب أكثر عدد ممكن من الأطباء. وهذا عنى أنه حصل توسع من أجل التقليل من كثرة الطلب. وهذا زاد الضغط على مرافق المدارس الطبية في البلد. وقسم علم التشريح، على وجه الخصوص، كان عليه أن يتطور لاستيعاب عدد أكثر من الطلاب. قيام الطلاب بالتشريح في برمنغهام كان مرةً مهماً لتدريس علم التشريح لكن مع نهاية الثمانينيات تم الاعتماد على متخصص للقيام بالتشريح. هنالك عدة أسباب لتفضيل التشريح من قبل متخصص فقط. فلو سمحوا للطلاب حالياً بالتشريح، لاضطروا لاستخدام عدد كبير من الجثث.
التبرع بالجثث قل مع انخفاض ثقة الناس في مهنة الطب.
المصدر
ويكيبيديا